الشيخ محمد الخضري بك
218
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
في زمن عسرة الناس ، وجدب البلاد ، وشدّة الحرّ ، حين طابت الثمار ، والناس يحبّون المقام في ثمارهم وظلالهم ، فأمر عليه الصلاة والسلام بالتجهّز ، وكان قلّما يخرج في غزوة إلّا ورّى بغيرها « 1 » ليعمّي الأخبار على العدو إلّا في هذه الغزوة ، فإنه أخبر بمقصده لبعد الشقة « 2 » ، ولشدّة العدو ، ليأخذ الناس عدّتهم لذلك ، وبعث إلى مكّة وقبائل الأعراب يستنفرهم لذلك ، وحثّ الموسرين على تجهيز المعسرين ، فأنفق عثمان بن عفّان عشرة آلاف دينار ، وأعطى ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها « 3 » ، وخمسين فرسا ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « اللهم ارض عن عثمان فإني راض عنه » « 4 » . وجاء أبو بكر بكل ماله : وهو أربعة آلاف درهم ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : هل أبقيت لأهلك شيئا ؟ فقال : أبقيت لهم اللّه ورسوله ، وجاء عمر بن الخطاب بنصف ماله ، وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائة أوقية ، وجاء العباس وطلحة بمال كثير . وتصدق عاصم بن عدي « 5 » بسبعين وسقا من تمر ، وأرسلت النساء بكل ما يقدرن عليه من حليهنّ ، وجاءه صلّى اللّه عليه وسلّم سبعة أنفس من فقهاء الصحابة يطلبون إليه أن يحملهم . فقال : لا أجد ما أحملكم عليه ، فتولّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألّا يجدوا ما ينفقون . فجهز عثمان ثلاثة منهم ، وجهز العباس اثنين ، وجهز يامين ابن عمرو اثنين ، ولمّا اجتمع الرجال خرج بهم رسول اللّه وهم ثلاثون ألفا ، وولّى على المدينة محمّد بن مسلمة ، وعلى أهله علي بن أبي طالب ، وتخلّف كثير من المنافقين يرأسهم عبد اللّه بن أبيّ ، وقال : يغزو محمّد بني الأصفر مع جهد الحال والحرّ والبلد البعيد ! ! أيحسب محمّد أن قتال بني الأصفر معه اللعب ؟ واللّه لكأني أنظر إلى أصحابه مقرّنين في الحبال ، واجتمع جماعة منهم ، فقالوا في حق رسول اللّه وأصحابه ما يريدون من الإرجاف ، فبلغه ذلك ، فأرسل إليهم عمار بن ياسر يسألهم عما قالوا ، فقالوا : إنما كنّا نخوض ونلعب . وجاء إليه جماعة ، منهم الجد ابن قيس ، يعتذرون عن الخروج ، فقالوا : يا رسول اللّه ائذن لنا ولا تفتنا ، لأنّا لا
--> ( 1 ) في مسلم من حديث كعب بن مالك . وورّى بغبرها : أي ورى الخبر تورية : أي ستره وأظهر غيره كأنه مأخوذ من وراء الانسان كأنه يجعله وراءه حيث لا يظهر . ( 2 ) بعد المسير . ( 3 ) الأحلاس جمع حلس وهو كساء رقيق تحت الرحل . والأقتاب : جمع قتب هو للجمل كالإكاف لغيره . ( 4 ) رواه الترمذي بلفظ ( ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين ) . ( 5 ) هو أخو معن بن عدي يكنى أبا عمرو ، واتفقوا على ذكره في البدريين . وقال الواقدي : إنه شهد أحدا مات في سنة 45 ه وهو ابن 115 .